الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فيلم 143 شارع الصحراء: ما أحوجنا اليوم إلى "مليكة"... مليكة الكائنة فينا وجعا وفرحا، وتعبّدا وانعتاق..

نشر في  15 أفريل 2020  (18:19)

ما أحوجنا اليوم إلى سبر أغوار ذواتنا ولملمة شظايا أفكارنا.. ما أحوجنا إلى معرفة أشخاص خُيّل إلينا أنّ هذا الزمن ابتلع مثيلهم أو أرّخ وجودهم فقط في دفاتر الانسانية المنشودة...

 مهرجان قابس سينما فن تحت شعار "شوف أون لاين"، سافر بنا مؤخرا من خلال عرض الفيلم الوثائقي الطويل "143 شارع الصحراء" الذي منحته لجنته التحكيمية تنويها خاصا.. سافر بنا إلى رحاب الصحراء الجزائرية هناك حيث تقبع "مليكة" بمحاذاة طريق اسفلتية طويلة تشقّ عباب الفيفاء، امرأة خُلقت من طينة آلهة الصفاء والسكينة تؤنسها قطتها "ميمي" وتحرسها كلبتها الراعية "ديانا"...

 من يقول أنّ البيداء خلاء ووحشة، ومن يقول أنّ مناخها قاسٍ وجاف وبارد؟ علّ الذي يظنّ هذا لم يشاهد بعد الفيلم الجزائري "143 شارع الصحراء"، ولم يعانق بناظريه بعد مليكة تلك التي وهبت نفسها -بكل ما تحمله من شقاء مكتوم- لتضحيَ بلسما وشفاءً لعابري السبيل الذين حالفهم الحظ لدخول مقهاها.. فبكأس شاي أو بعلبة مشروب غازي أو بصحن بيض مقلي ورغيف خبز وشيء من البوح وكثير من الطمأنينة يمكن الانعتاق من شقاء وجداني والسرّ يكمن لدى "مليكة"...

 واختار المخرج الجزائري حسن فرحاني في بداية فيلمه أن يكون صوت الفنانة القبلية والكاتبة "طاووس عمروش" تلك "الملكة الشابة المنفية ذات العرق الغامض والدماء الأفريقية" كما كتبت في أوّل رواياتها بعنوان "ياقوتة سوداء" وهي أوّل امرأة مغاربية أمازيغية خطّت رواية، اختار المخرج أن يكون صوتها القَبلي الحالم الأجشّ في أول المشاهد مرافقا لخطوات مليكة ورفاقها ومباركا لثناياها التي تلفّها الصحراء من كل صوب...

 في اكثر من 18 مشهدا بشخوص مختلفة، وعلى مدى ساعة ونصف يخطف المخرج حسن فرحاني منذ الوهلة السينمائية الأولى وجداننا نحو بطلة الفيلم التي تربّعت في حضن أربعة جدران إسمنتية سميّت "مقهى مليكة".. بعد مكاني لملم كل آهاتها فأينعت فيه بتلاتها بعد ذبول وجذّرت في تربته كينونتها وأرست بها على عتباء صحراء غذّت روحها وروت بها عطش وحدتها وعزلتها..

وقد راوح فيلم 143 شارع الصحراء، بين واقعية يوميات مليكة وبين التخييل حينا وتجلّى ذلك من خلال مشهدين تمثيليين أضفيا جمالية سينمائية، أحدهما أدّاه الفنان الجزائري سمير الحكيم عبر دور قارئ الجريدة الذي يدّعي البحث عن أخيه المفقود  أمّا الثاني فهو مشهد مسرحي أدّاه الكاتب شوقي عماري صحبة مليكة وهو الذي يعرفها منذ سنوات وهو كذلك صديق المخرج الذّي دلّه عليها...

 وهو مشهد كوميدي ساخر سوداوي ربّما أراد من خلاله المخرج التعبير عن التضييق على الحريّات من خلال تمثيل الكاتب شوقي عماري دور السجين الذي تزوره مليكة وتخاطبه من وراء القضبان.

 شخوص اختلفت وجوهها وتناقضت حكاياها واختلفت دروبهم، استنطقتهم كاميرا المخرج الجزائري عبر وجه وشخصية مليكة ففتح المجال لسجيّتها مثبّتا نحوها عدسته لتدير المشَاهد بكل حرية وتنبش خبايا زبائن مقهاها وتحرّك سواكنهم حتّى خيّل للمُشاهد أنّ مليكة أضحت "بيّاعة" للفرح.. "مسّاحة" للدموع وبات مقهاها معبدا للبوح ونهرا يغتسل فيه زوّاره انعتاقا من بعض مشاكلهم المعنوية. 

 "كلاولي رزقي وحاوزوني من داري.. عندي الناس البرّانية أكثر من أمّاليا"..  

 هذا ما قالته مليكة في أحد المشاهد لتعبّر عن عزلة ربما لم تخيّر نفسها أن تقبع فيها فأقرب الناس إليها غدروا بها ونهبوا رزقها، لذلك فقد أضحت الصحراء وطنها وعرشها هو مقهاها ومأواها ونافذتها المطلّة على كل العالم.

  أمّا قطتها التي تسمّيها "ميمي" وتناديها أحيانا بماما فهي الحاضرة الدائمة في وجدان مليكة فهي الطفلة التي أنجبتها من لدن نبضها فنراها في عدد من المشاهد تحدّثها وتعانقها وتضحك وتغني لها وهنا لا نعلم إن كانت مليكة قد فقدت -حقّا- طفلتها كما أوحت به في أحد المشاهد أم أنّه مجرّد مشهد تمثيلي.

وكلبتها "ديانا" هي حارسة المعبد التي لا تنام ويتجلى ذلك من خلال جواب مليكة على سؤال أحد زبائنها بشأن عدم توجّسها من العيش لوحدها وسط الصحراء لتقول  "منخافش عندي الكلاب".

 ونرى أنّ بطلة الفيلم ليست مجرّد امرأة عادية معزولة عن العالم فهي لا تفوّت الفرص لمتابعة كل مستجدات تحوّلات بلدها ومتابعة التطورات الاقتصادية من خلال زوارها واستجلاء مظاهرهم، كما نراها تفصح عن مواقف سياسية صريحة وتدعو بوعي وطني فطري أن يحكم الجزائر رجل صالح يحاكم كل من خان وطنه من أجل "الدراهم"..

وقد رتّب في هذا الإطار المخرج عبر بث تسجيل مصوّر في هاتف أحد الزوار، مشهدا استحضر من خلاله خطاب الرئيس الثاني الأسبق للجزائر بعد الاستقلال هواري بومدين، تحدّث فيه عن طريق الوحدة الأفريقية وهو ما اعتبرته مليكة مجرّد وعود سياسية وكلام سياسي لا يمت لواقع الأمس بصلة.

ولم تخفي "عروس الصحراء" موقفها من تجّار الدين موصّفة ايّاهم بالمنافقين، مؤكّدة نبذها للمتشددين الذين عانت منهم الجزائر في عشريتها السوداء الحالكة وحتّى من خلال طريقة تسريبها لموقف  زعيم تنظيم إرهابي أفتى بالسماح لها بالعيش وحيدة في الصحراء ! 

كما سلّط الفيلم الضوء على النظرة الدونية للمرأة من خلال حديث مليكة عن الإشاعات التي ترافقها بسبب العيش بمفردها.

وبحسّ سينمائي رهيف ومتقن، وفي مشهد فنيّ رائع طافت كاميرا حسّان فرحاني بمقهى مليكة وهي تصوّره من الخارج في حركة تشبه الطواف رقصت بالمكان على إيقاع ضربات آلات الدفّ الموسيقية، وعلى وقع رقص مليكة مع زبائن جدد وانتشائها مع الموسيقى التي أعلت أهازيج الفرح والحياة.

 وفي حبكة درامية، لم ينس المخرج أن يحرّك سواكن المشاهد ويدفعه للتساؤل عن مصير مليكة المجهول بعد اكتمال بناء محطة وقود وخدمات محاذية لمقهاها وهو ما يمثّل تهديدا لوجودها من خلال تحويل وجهة زبائنها مما يعني فقدان موطن رزقها وحرمانها من بعض الدراهم التي كانت توفرها من أثمان كؤوس شاي ووجبات بسيطة كانت تسدّ رمق زوّارها، فماذا سيكون مصير مليكة بعد فتح المحطة المذكورة فهل ستترك مقهاها وتعود إلى أهلها الذين هجرتهم من سنين أم ستتوجه إلى مكان لا تعلم حتى مُستقرّهُ؟

في هذا الفيلم تحوّلت مليكة إلى رمز انساني فرغم أنها امرأة متقدّمة في السن لا ولد لها ولا سند، تعيش في مقهى تنعدم فيه أبسط الضروريات من كهرباء تنير عتمة ليلها إلّا أنّنا نراها امرأة متهادنة مع واقعها ومتصالحة مع كل همومها كما تقول في أحد المشاهد "كيما يعطيني ربي راني قابلة قسمي على ربي"..

 وقد تكون البطلة بما تحمله في أعماقها من صور متناقضة نبضًا كائنا فينا، فتأخذنا كثيرا الى حيث نرغب وحينا آخر الى حيث لا نرغب، حيث رسم مخرج الفيلم بعدسته مشاهدا أطلّت على الحياة بكل أبعادها ووجوهها.. تلك هي مليكة أرشيف جمع قصصا تروى لكل عابري السبيل الذين سلكوا طريق جنّتها وأخرى لا تروى لكينونتنا المكتومة حينًا.. مليكة التي أنهت الفيلم بمشهد غنائي لها وهي تصدح بصوتها أغنية "يا المنفى" في كلمات علّها تكون خير من يحاكي أوجاعها وجروحها التي غزّها مبضع الزمن.

 من هي مليكة؟

تؤكّد مليكة في إحدى الحوارات الإعلامية أنّها ولدت في 20 جانفي 1948، بقسنطينة، درست حتى السنة الرابعة، ابتدائي، إبان الاستعمار الفرنسي، عاشت بقسنطينة فترة طويلة، واجبرتها الظروف العائلية على مغادرتها نحو الصحراء، التي كانت تزروها بين الفينة والأخرى قبل أن تنتقل إليها من أجل الاستقرار وتقول إنّها ستعيش فيها ما تبقى من عمرها.

وعن تجربتها مع المخرج حسان فرحاني في الفيلم، وكيف وافقت على سرد قصتها، كشفت سيّدة الصحراء بأنّها شيدت مقهاها المتواضع على جنبات طريق الوحدة الإفريقية، على مسافة 60 كلم عن ولاية المنعية، في العام 1994.

وكان المصورون والمخرجون دائما يمرّون من هنا، لم يكونوا مهتمين به، إلى أنّ جاء حسان فرحاني، فطلب منها الموافقة على إنجاز عنها وعن المقهى بصفة عامة، فوافقت بلا تردد.

وتشدّد مليكة على أنّه لم يتغير الشيء الكثير على صعيد حياتها بعد إنجاز الفيلم، سوى أنّ محطة البنزين الحديثة التي تضم مطاعم ومقهى، والتي تم تشييدها، قلّصت عدد زئابن المقهى، الذي أكسب قوت يومها من خلاله.

 وأكدت أنّ الأوفياء والمحبين والأصدقاء لا يزالون يكنون لها المحبة والاحترام ويساعدوننها ويأتون إلى المقهى البسيط رغم وجود آخر حديث في الجهة المقابلة، موجّهة نداء إلى الحكومة الجزائرية لتقديم يد العون لها لبناء مقهى حديث.

جوائز مهرجان "قابس سينما فن"

هذا وقد أسدل مؤخرا، مهرجان "قابس سينما فن"،  الستار عن الدورة الثانية التي حوّلتها أزمة الكوفيد-19 إلى تظاهرة رقمية أقيمت تحت شعار "شوف أونلاين"، وكسب المنظمون من خلالها الرهان في استقطاب أكثر "من 8 آلاف متفرّج لمختلف الأشرطة المدرجة ضمن برنامج هذه الدورة.

وانقسمت هذه الدورة إلى قسمين الأول للأفلام الطويلة ( روائية ووثائقية) وآخر للأفلام القصيرة ( روائية ووثائقية )، وشارك في الأولى 11 فيلما من مختلف الدول العربية بينما تنافس 5 أفلام في القسم الثاني.

وذهبت جائزة لجنة التحكيم لفيلم "إبراهيم: إلي أجل غير مسمى "للينا العبد من فلسطين، كما حصد جائزة أفضل فيلم طويل فيلم "طلامس" للتونسي علاء الدين سليم.

كما منحت اللجنة تنويها خاصا للفيلم الوثائقي "143 شارع الصحراء" لإحسان فرحاني من الجزائر، الفيلم الوثائقي "الحديث عن الأشجار" لصهيّب قاسم البَرّي من السودان، والفيلم الوثائقي "اموسو" لنادر بوحموش من المغرب.

متــابعة: منــارة تليـــجانــي